<

هاجر ليبتعِِدَ عن الغَجَر

مصطفى منيغ أواسط الثمانينات في "أثينا " عاصمة اليونان يتمعن في النسخة من جريدته " الشعب " التي طبعها في تلك الديار الإغريقية باللغة العربية
مصطفى منيغ أواسط الثمانينات في "أثينا " عاصمة اليونان يتمعن في النسخة من جريدته " الشعب " التي طبعها في تلك الديار الإغريقية باللغة العربية
ويلنجتون - صوت نيوزيلندا واستراليا /

كانبرا – صوت نيوزيلندا واستراليا /

هل تستعد لرحلة أو سوف تسافر لأي مكان بالعالم .. سجل هنا لتحصل على تخفيضات بالفنادق تصل ل90 % اضغط هنا

بقلم / مصطفى منيغ

فقط الرؤية المنقوشة في الوجدان تبقى، تدغدغ الأحاسيس الدفينة داخل ذاكرة تحاول استخراج ما ظل  مختبئا في سلام يَنْعَمُ الخاطر كلما أحببتُ التنزُّهَ على مسير العمر الملآن بما عز وطاب من قطوف حلو المذاق رهيب الهضم بلغة الواقع والعقل . و”القصر الكبير” هذا الشيخ الوقور بأطرافه المغطاة بحارات ” باب الوادي ” و ” الشريعة ”  و”المطيمر”، والمرقعة ” بالسويقة ”  و” سكرينيا ”  و ” المزيبلة ”  و ” سيدي بلعباس ”  و ” القطانين ” و ” الباريو حارة ”  و ” دار الدخان ”  و ” سيدي عيسى ين قاسم ” ، و  المرس ” ، وعشرا ت الأزقة والساحات البالية الضاربة في أعماق التاريخ ، والقصر الكبير هذا الشيخ الوقور الذي عشقه الإنسان منذ القدم ، مذ عرف حكمة الانتشار في أرض الله الواسعة ، فجاء حتى الإغريق يمشون فوق أجمل منهل يخططون بأسلوبهم الفلسفي ما عرفه ” الوادي الجديد ” من رسومات وبقايا ما زالت ظاهرة لمن أراد الغوص في الأعماق ، أعماق الأرض بعد اجتياز المياه الطافحة فوقها . لا أدري لما لا زالت تلك الكلمات التي فاه بها ذاك الفقيه الذي تتلمذتُ على يديه في المدرسة الأهلية الحسنية محدثا الأطفال في مثل سني آنذاك عن الإغريق والقصر الكبير ؟. ربما التصقت بأفكاري ولم تبرح حتى كتبت في أجمل بقعة من عاصمة اليونان ‘ أثينا ‘ : من هنا مَرَّ رجلٌ ينتسبُ إلى مدينة القصر الكبير ، بل لم أغادر أرض الإغريق حتى احتفظت الخزانة العامة اليونانية باسم القصر الكبير مطبوعا في مجلة موضوعة الآن في إحدى الرفوف المخصصة للصحافة اليونانية وبها مقالاتي باللغة الإغريقية ذاتها .

من مدينة تطوان انطلقنا نحن الثلاثة صهري ، ابن شقيقي يوسف ، والعبد لله . الأول فينا هدفه البحث عن العمل ، والثاني الالتحاق بالمملكة الهولندية حيث له فيها مقام وأهل ، أما أنا فكانت وجهتي الاتصال بدور التوزيع الأوروبية لنشر جريدة كنت أنوي توسيع حضورها في أكبر عدد من الدول شرقاً وغرباً . الأخوين معا لم يكن معهما من المال ما يكفي لتغطية مصاريف الرحلة فتحملتُ وحدي الأعباء وما أثقلها خاصة في بلاد لا رحيم لنا فيها سوى الله العلي القدير ، علمتُ بهذا ونحن في باريس (فرنسا) نقيم في فندق تملكه أسر ة هندية ، حينما حدثني صهري برغبته في العودة إلى المغرب ، فقد أضناه البعاد عن أهله ، و أشقاه فراق من يحب ، وعجبتُ من رجل في مثل سنه وقوة جسده يتمرغ في أرضية الغرفة باكيا وبأعلى صوت طالباً مني تلبية رغبته في الالتحاق بالقصر الكبير وفورا . فكرتُ جدياً في مساعدته، لكن البقية من المال لم تكن كافية لأداء ثمن التذكرة ، وعليه الانتظار حتى أتدبر الأمر ، فلي من المعارف والأصدقاء ما إن احتجتُ منحوني ما أريد ، لكنه اقسم باكيا بالانسحاب فورا . الحقيقة أنه عمد إلى ذلك ، وقد سولت له نفسه أني أخفي المال عنه عمدا ، وهنا تيقنتُ أن الرجل لم يأت بنية البحث عن العمل وإنما للفسحة والاستجمام على حسابي الخاص . فاخترت الخروج من ذاك الفندق رغم قساوة الجو ، وبلوغ المحرار درجة تصطك على إثرها العوارض . لم أجد حيالي وأنا أتجول في الحي القريب من محطة ” ليون ” غير ولوج مقهى لجزائري تعودنا احتساء أكواب سائل البن الساخن داخلها ، وهناك رأيتُ موقفاً أثر في نفسي وصدمني أيما اصطدام ، بل جعلني استيقظ من غفوة حجبت عقلي ، فيما مضى ، عن حقيقة مرة : الإنسان يضعف أمام أول امتحان يتعرض له حينما يكون مطالبا بالإفصاح عن أهدافه الحقيقية ليس بالكلمات فقط وإنما بالأفعال ، كان صهري سامحه الله، من نوعية لا تدرك أن حبال العلاقات الأسرية الهشة لا تستحمل القفز بعنف وقوة، وأن الإنسان القوي هو المتجلد ساعة الشعور بجدية الموقف ، وأن الرجال بما يحملهم الوفاء من مسؤوليات جسام يسيرون بها حيث السير . لقد رأيتُ بالمقهى صهري وابن شقيقي يتفقان ضدي ومعهما إنسان ثالث وهم ينسحبون أمامي عيونهم جاحظة صوبي ، وكأنني ما ضيعت عليهما مالي ، ولا تحملتُ من أجلهما عناء التخلي عن أشغالي ومشاكلي الشخصية ، ولا تقاسمتُ معهما طعام الأيام الطويلة في بلا د الغربة الذي دفعتُ ثمنه من عرق جبيني . كل هذا تبخر في لحظة ، ولما ؟ ، لأن الشوق كان أقوي من عضلات صهري، الشوق لأزقة القصر الكبير ولا شيء آخر على الإطلاق . لم أستحمل هذا في بداية الأمر، لكن الآن التمسُ الأعذار لنفس الشخص بالرغم مما سببه لي من مضايقات ، وبالرغم مما تفنن في صرده من حكايات فَراً من عدم تحقيق ما وعد به أسرته الصغيرة من الحصول على عمل بإحدى الدول الغربية وجمع ما يؤهله ليصبح في مدينة القصر الكبير صاحب مشاريع كبرى . أسامحه بقلب لم يعرف الحقد على أحد أبدا ، وبعقل لم يخطئ قي حق إي كان من الأسر ة إطلاقا . ألتمسُ الأعذار لنفس الشخص لأني بسببه وقفتُ على حقيقة أخرى : أن ضعف الإنسان ،أمام أول امتحان ، من صنف ما نتحدث في شأنه الآن ،أساسه حب أو كراهية، خير أو شر ، صواب أو خطأ . وموقف صهري معي في باريس كان أساسه حبه الشديد للقصر الكبير ، والخير يتجلى في تمسكه بهذا الحب ، ومع ذلك لم يفكر ساعتها أن الحب يكبر ، يترعرع ، ويستمر بشيء ضروري للغاية ، بالعمل على كسب ” اللقمة ” التي أحيانا تغيب في هذه المدينة المهمشة عن ظلم لتتواجد في مكان آخر ، والابتعاد عن أشياء نحبها ليس معناه التخلي عنها ، مَن يحب يسعى لإسعاد المحبوب ، وأي سعادة يشعرُ بها القصر الكبير حينما يستقبل بين الفينة والأخرى ، أحد أبنائه وقد أضاف لمعالمه معلمة يسجلها تاريخ المدينة بحروف الفخار والاعتزاز (يتبع)………المزيد

 

بقلم / مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

..........المزيد . هذه الأخبار وعشرات الأخبار الأخري تجدونها على موقع صوت استراليا ونيوزيلندا الرسمي

اكتب ايميلك هنا:

Delivered by FeedBurner

هل لديك عقار أو شقة أو فيلا خالية في أي مكان بالعالم .. سجل من هنا لتعرضه لحجوزات المسافرين باليوم او الاسبوع او الشهر وأحصل على أكبر مقابل مالي .. سجل عقارك هنا .

اضغط هنا للعودة للصفحة الرئيسية

You may also like...

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!